الثعلبي
38
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
عثمان كحالته الأولى ، فقال : يا محمّد فيما كنت أُجالسك ما رأيتك تفعل فعلتك لغداة ؟ قال : ( وما رأيتني فعلت ) ؟ قال : رأيتك تشخص بصرك إلى السماء ثمّ وضعته على يمينك فتحرّفت إليه وتركتني ، فأخذت تنغض رأسك كأنك تستفهم شيئاً يقال لك . فقال : ( أو فطنت إلى ذلك ) ؟ قال : نعم ، قال : ( أتاني رسول الله جبرائيل آنفاً وأنت جالس ) قال : نعم : فماذا قال : لك ؟ قال : قال : " * ( إنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ) * ) إلى آخره . قال عثمان : فذلك الحين استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمداً صلى الله عليه وسلم . وروى حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ على الوليد بن المغيرة " * ( إنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدْلِ ) * ) إلى آخر الآية ، قال له : يا بن أخ أعد ، فأعاد عليه . فقال : إن له والله لحلاوة وإن عليه لطلاوة فإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وما هو بقول بشر ، ثمّ لم يسلم ، فأنزل الله فيه : * ( وأعطى قليلا وأكدى ) * * ( وَأوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ) * ) تشديدها ( ويحنثوا فيها ) ، والتوكيد لغة أهل الحجاز ، أمّا أهل نجد فإنهم يقولون : أُكّدت تأكيداً " * ( وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا ) * ) بالوفاء " * ( إنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) * ) واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية وإن كان حكمها عاماً . فقال بعضهم : نزلت في الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم الله بالوفاء بها . وقال مجاهد وقتادة : نزلت في حِلف أهل الجاهلية . ثمّ ضرب جلّ ثناؤه مثلاً لنقض العهد ، فقال عز من قائل : " * ( وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّة ) * ) أي من بعد إبرامه وإحكامه ، وكان بعض أهل اللغة يقول : القوة ما غزل على طاقة واحدة ولم يثن . الكلبي ومقاتل : هي امرأة خرقاء حمقاء من قريش يقال لها : ريطة بنت عمرو بن سعد بن كعب بن زيد مناة بن تميم كانت اتخذت مغزلاً بقدر ذراع وصنارة مثل الإصبع وفتل عظمة على قدرها وكانت تغزل من الصوف والشعر والوبر وتأمر جواريها بذلك فكنّ يغزلنّ من الغداة إلى نصف النهار ، فإذا انتصف النهار أمرت جواريها بنقض جميع ما غزلن فهذا كان دأبها . وقوله " * ( أنكَاثاً ) * ) يعني أنقاضاً واحدتها نكثة ، وهو كل ما نقض بعد الفتل غزلاً كان أو حبالاً " * ( تَتَّخِذُونَ أيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ ) * ) أي دخلاً وخيانة وخديعة . قال أبو عبيدة : كل أمر لم يكن صحيحاً فهو دخل